مشاهد عن ما يسبق الموت

النص ده كتبته من سنة تقريبا لمشروع أدبي لصديق، معنديش فكرة ليه بنشره دلوقتي..

1991 ميلادية - الخبر/السعودية
توجهت لوالدتي و أنا طفل لم أتجاوز الثامنة لكي أسألها عن معنى كلمة "العانة"، قرأت في أحد أدبيات الإخوان المسلمين كيف كان جنود عبدالناصر يجبرون الإخوان على حلق شعر العانة كل يوم في الصباح قبل أن تبدأ جولة تعذيبهم. تعرضت منذ طفولتي للعنف عن بعد، قرأت عنه كثيرا في التاريخ و لكن لم أتعرض له، تربيت على يد أب أزهري متدين كنت أتحايل عليه للحصول على أي مكسب طفولي بحفظ آيات من القرآن أو قصص من السيرة النبوية. لم أعد أتذكر لم كنت طفلا لم يتجاوز الثامنة و مع ذلك منهمك في قراءة هذه الكتب هل كان حبا فيها أم حبا في أبي أم حبا في عطايا أبي؟ رأيت صور العنف و تربيت على أن قدرتي على ممارسة العنف هي الطريق للرجولة. لم أرفض العنف عندما مارسه غيري و لكني ظللت أتئفف منه. لم أشارك في أي ألعاب عنيفة و تجنبت الشجار مرارا و تكرارا لكي لا أخوض التجربة، ربما هو خوف من الفشل و تحطم صورة الرجل التي رسمها الآخرون مثالا أصبو له، ربما لم أرد أن أعرف أنني لست شبيها لهذه الصورة، أيا كان فالنتيجة واحدة، تجنبت العنف طوال طفولتي و إن لم أدنه و لم أصرح أبدا بكرهي له.

2000 ميلادية - الزقازيق/ مصر

أركض في وسط صفوف من البشر باحثا عن أختي، أرى تراشق الحجارة بين البلطجية و المتظاهرين، عشرات من النسوة رثة الملابس يطاردن المحجبات بعيدا عن اللجنة الانتخابية في مدرسة الناصرية الابتدائية بنين، يحدث كل هذا على بعد خطوات من المقر الانتخابي للدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين في الانتخابات. هارب من حصة اللغة الفرنسية التي أكرهها لكي أطمئن على أختي الكبيرة التي أعلم أنها من داعمي الدكتور في الانتخابات و أنها ستحاول اليوم الذهاب للإدلاء بصوتها، مازلت تائها في أكثر الأماكن كراهية لي، مكان يتقاتل فيه الكثير من البشر ليس لشئ سوى نظير أجر أو نظير فكرة، هل يستحق مقعد في برلمان عفن كل هذا القتال؟؟ أتعثر و أنا أركض لأشعر بعد السقوط بركلة أحد البلطجية، "يالله يا ابن المتناكة من هنا"، بعد وصلة السباب يتوسط لي أحد البلطجية الآخرين قائلا بإني طفل، يساعدني للنهوض و يضعني تحت إبطه"ده عيل يا عم حرام، تعالى متزعلش، نفض هدومك، يالله يالله". يمتص غضبي و يدفعني بعيدا عن المكان، لم يخرج هذا الغضب للنور سوى مرات قليلة، خوف أم رصانة يسيطر على هذا الغضب دائمأ؟ انفض الجمع الذي كان يشتبك مع البلطجية، أتوجه للمنزل خائفا من أن يعلم أهلي بهروبي من الدرس الخصوصي أو بتوجهي لمكان تظاهر، أمي مازالت ترتعد من أمن الدولة منذ أن عذوبوا عمها منذ أكثر من أربعين سنة. لم أرد لها أن تعلم بإن اثنين من نسلها قد انساقوا وراء المظاهرات و السياسة، يكفيها ما تعانيه من أختي. أصل إلى المنزل مواريا أي أثر للضرب أو التظاهر، أصل لكي أكتشف أن ما حدث لي هو نفس ما حدث لأختي و أنها كانت ممن لم يستطيعوا الهروب في الوقت المناسب، كانت من تعيسي الحظ الذين وقعوا في يد الفرقة النسائية من بلطجية عاشور. لم نكن نتخيل أن أحداث هذا اليوم الدامي ستختذل في بضع كلمات بخطاب الوداع لرئيس أحمق كنا نظن و نحن مراهقون أنه رجل صالح.

أصبحت السياسة كالمغناطيس، لم أستطع أن أجاري أقراني فيما يحبون و يكرهون، تركت أول حب طفولي لي لأنها لم تكن تهتم بما أحكيه لها عن الخطب النارية المعارضة و قصص المناضلين الذين زهقت ارواحهم في سجون عبدالناصر، كم كنت أكره عبدالناصر. ظللت أحاول مرارا و تكرارا أن أنتمي إلى سن، جيل، طبقة، حي، أو حتى مدينة و فشلت. ظل الظلم الذي أراه حولي يجتذبني، رأيت إخوتي الكبار و أصدقائهم يقاتلون من أجل لقمة عيشهم. لسنا أغنياء و لسنا فقراء، بواقي الطبقة الوسطى المشوهة بقيم الخليج الذي عاشت فيه ربع قرن أو أكثر، التي ربحت الآلاف من ذهب الخليج و فضته لتخسره في الريان و الشريف. نحن من أتينا محملين بكتب بن باز و بن عثيمين، نحن من نسخنا شريط محمد حسين يعقوب عن الصلاة و وزعناه على أقاربنا . نحن من غربنا بعد العودة لمصر من الأقاليم إلى القاهرة للبحث عن عمل. يعود أخي من عمله بمدينة العاشر من رمضان و كل ما أراه على وجهه ظلم مبارك، كيف يستيقظ أخي كل يوم في الخامسة صباحا و يعود في السابعة مساءا و أبناء أعضاء الحزب الوطني يختارون وظائفهم إن اختاروا العمل أصلا فهم ليسوا بحاجة إليه. رأيت الظلم و خفت منه و لم أدري كيف سأنعم إن لم يصبني الظلم و أصاب من كانوا بجواري.

2004 ميلادية - الزقازيق / مصر
سهرة في مكتب صديق يعمل في مصلحة حكومية، هو من أصحاب الواسطة الذين أنعم عليهم بجهاز كمبيوتر أصبحنا نستغله في تبادل الأفلام الإباحية. أخبرني ضاحكا عن مجموعة من المجانين خرجوا في مظاهرة من جامعة القاهرة هاتفين على وزن النشيد الوطني "كفاية، كفاية، كفاية، إحنا وصلنا للنهاية". ثلاثة أعوام و أنا أحاول الهروب من ظلم مبارك لإخوتي الكبار، ثلاثة أعوام و لا أريد أن أضطر للتذلل لقريب أو بعيد لكي أعمل بعدما أتخرج، لسنا أغنياء لأبقى عالة على أبواي بعد التخرج. عملت و أنا طفل، استغليت أي مهارة لدي للوصول إلى عمل، كان هذا هو الهاجس طوال هذه الأعوام حتى سمعت هذا الهتاف، و كأن هذا الهتاف كان موجها لي و ليس لمبارك.
عدت للنزول إلى المظاهرات سرا لكي لا يعلم أحد من أهلي، تعرضت للعنف من جديد و لم أتجاوب معه من جديد و أحيانا نجحت في الهروب منه.

أفكار من أجلها سأتخلى عن أي مكاسب مادية تحميني من ظلم مبارك، أفكار سأتعرض من أجلها للعنف الذي أكرهه، هل تستحق الأفكار كل هذا؟ هل تستحق معركة خاسرة الموت من أجلها؟

Subscribe to مدونة بودي RSS
by Dr. Radut